المشاركة الأصلية بواسطة الباحثة وديعة عمراني
مشاهدة المشاركة
ثقافة الانتظار وثقافة الصبر
في مشاركات سابقة في هذا الحوار اوجزنا ان لفظ الانتظار لا يعني (الصبر) وبينهما فرق فالانتظار في لسان عربي مبين يعني (احتواء النظر) ولا يعني الصبر الا ان اعراف الناس ذهبت الى ان صفة الانتظار رديف صفة الصبر فـ :
الصبر : هو وسيله لفعل لم يحن وقت قبضه بعد مثل صبر الام على حملها او صبر السجين على سجنه ليقبض حريته تارة اخرى
الانتظار : هو فعل يستوجب احتواء النظر في موضوعية الانتظار ... اي ان الانتظار يقيم نتيجة الفعل بعد (نظر) موضوعي مثلما يذهب احدهم الى عيادة الطبيب فينتظر (دوره) في مراجعة الطبيب فهو ليس في (صبر) بل هو في انتظار موضوعي (فينظر) دوره حين يكون من خلال تعرفه على وجوه من سبقه فيقوم الفعل بنتيجة الانتظار من خلال دوره بمراجعة الطبيب ... اما الصبر فانه يختلف جوهريا عن الانتظار فالصبر يقيم قابض عند الصابر اما الانتظار يقيم نتيجة فعل عند المنتظر
تلك ليست فلسفة كلام بل هي (حدود المقاصد) التي تحملها الالفاظ العربية التي ينطقها الناطق بالحق
من تلك المعالجة الفكرية التي تغور الى مقاصد الالفاظ في عقول الناطقين يكون انتظار المهدي يعني ان هنلك (مستلزمات موضوعية) يستوجب توفرها ليقوم الفعل المهدوي ومنظومته بدوره الاصلاحي (النظر لموضوعية الاصلاح) ففعل المهدي بصفته (فعل منتظر) لا يتم قبضه بل يتم قبض نتيجته بعد نفاذ فعل الاصلاح ويستوجب فيه النظر ليكون في صلة بين حامل العقيدة المهدوية ومنظومة الاصلاح في الحكومة الالهية ونعود الى المثل المركزي في حكومة الله الاصلاحية في القرءان في مثل موسى والعبد اللذان نسيا حوتهما
لو لم يكن هنلك خطر على السفينة من ملك ظالم لما قام العبد بخرم السفينة
لو لم يكن هنلك رهق من الغلام لما قام العبد بقتل الغلام
لو لم يكن هنلك مخاوف على ضياع كنز الرجل الصالح لما ابتنى العبد جدارا على الكنز
في منطق (الحق) الناطق في منظومة النطق الالهية توجد حافظات الذكر في منطقنا نحن الناطقين ففي بعض الاقاليم العربية يكون عند الشرطة مقام اسمه (النظارة) وهي قد تكون غرفة بسيطة يوضع فيه المشتبه به ليتم (النظر في امره) فهو ليس موقوف في موقف مركز الشرطة وهو ليس طليق يستطيع الذهاب لشأنه بل هو في (نظارة) لترى ادارة الشرطة امره ..!!
انتظار منظومة الاصلاح مثلها وهي لا تحتاج الى (الصبر) الا ان فعل المنظومة الاصلاحية لن يكون في فعل مهدوي بل في نتيجته فنتيجة الاصلاح المهدوي هي التي تحتاج الى صبر لتظهر النتيجة اما الفعل المهدوي فهو في حاوية النظر ولو رصدنا الجانب الثاني من حكومة الله وهو الحكومة العقابية سنجد تلك الصفة مقروئة في قرءان ربنا
{قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }الأنعام11
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ }النمل69
فعل السير في الارض فيه (انتظار) للنظر في عاقبة (عقوبة المكذبين) او عقوبة المجرمين فبين (المجرم وعقوبته) رابط (نظر موضوعي) وحين نقرأ تلك السنة في حكومة الله العقابية فمثلها تكون سنة حكومة الله الاصلاحية فيكون الانتظار الاصلاحي في النظر بحيثياته (موضوعيته) وهي الاساس في ثقافة العقيدة المهدوية فمثلما يتم معرفة قوانين الله العقابية من خلال النظر لعقوبة المجرم فيكون معرفة قوانين الله الاصلاحية من خلال النظر لفاعلية (المصلح) ومن تلك الثقافة يعرف المؤمن كيف يكون العقاب وكيف يكون الاصلاح ومتى يقوم العقاب ومتى يقوم الاصلاح حتى تمتليء عقلانية المؤمن بقدر حاجته للقوانين الالهية ومثل تلك السنة موجودة في الناس فهم يتعرفون على قوانينهم الوطنية من خلال حاجاتهم لموضوعية تلك القوانين فترى مثلا امرأة فطرية بسيطة لا تتعامل مع القانون ولا تكاد تعرفه الا انها حين تتعامل مع مفاصل ارث ياتيها من زوجها او ابيها فانها تتعرف على قوانين الارث وقد تصل حاجتها الى ادق دقائق قوانين الارث ومثله من يريد ان يشتري منزلا او يبيع عقارا فانه سيكون القانون في حاجته موضوعيا فيعرفه ومثله قانون الاصلاح الالهي فهو يحتاج الى (نظر) في حاوية تستوجب (الانتظار) فيكون (المهدي منتظر)
ما جاء في السطور اعلاه يختلف تماما عن كل ما حيك في عقيدة المهدي من بيانات ولكل المذاهب الاسلامية ذلك لان تلك العقيدة وفي كل المذاهب تعني (الصبر) حتى يظهر الامام المهدي الا ان انتظار الامام يعني النظر في موضوعيته الاصلاحية فهو موجود بيننا ويمارس عمله من خلال مرابط تكوينية في عملية (جعل) الهي متين
الانتظار يبدأ عند ظهور الفعل المهدوي لغاية قيام نتيجته والصبر يقوم مصاحبا للفعل المهدوي قبل ان تظهر نتيجته فمساكين البحر صبروا على خرم سفينتهم وانتظروا فعل الملك الظالم والرجل الصالح صبر على قتل ابنه وصبر حتى راى بديله رحمة من ربه ولعل العودة الى نصوص المثل الشريف سيوضح الفارقة بين الصبر والانتظار
{فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }الكهف65
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً }الكهف66
{قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً }الكهف67
{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً }الكهف68
{قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً }الكهف69
{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً }الكهف70
{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً }الكهف71
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً }الكهف72
الذي قال (انك لن تستطيع معي صبرا) هو العبد المأتي من الله علما ومحدثه هو (موسى العقل) وهو يحتاج الى (فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) فهنلك (حدث تذكيري) منه يبدأ اشباه الصبر حتى يتم قبض نتيجة الفعل المهدوي وقبله يكون الانتظار ذلك لان الصبر على فاعلية الاصلاح من قبل المنظومة الالهية قبل الحدث لا معنى له ولا يمتلك اي بيانات (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) فموسى العقل لا يمتلك اي بيان عن الفعل الاصلاحي الذي سيمارسه المهدي بل ستكون التذكرة من حدث (احدث لك منه ذكرى) في ذلك الحدث يكون (الانتظار) وهو (احتواء النظر) في الحدث الذي اقام الذكرى الاصلاحية وانتظار نتيجته فبين الفعل الاصلاحي ونتيجته هنلك مساحة من (عنصر زمني) تحتاج الى نظر ولا تحتاج الى (صبر) كما هي مقاصد العقل في الصبر الا حين قبض النتيجة من الفعل الاصلاحي فمساكين البحر كان عليهم انتظار نتيجة خرم السفينة وان لم يكونوا من العارفين بمنظومة الاصلاح الالهية فانهم لم يكونوا قادرين على فهم (فعل الخرم) بصفته فعل اصلاحي والله سبحانه قد بين تلك الصفة ببيان مبين
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }النساء19
فان كرهتموهن ... !!! ... في كره النساء عسى ان يجعل (الله) منه خيرا كثيرا وهي معادلة عقل صعبة الا على طاولة علوم الله المثلى فهي تكون لينة تنزلق في مسارب العلوم الالهية المصدر مثلها مثل خرق السفينة لصلاح حيازتها بيد مالكيها ... !!!!!
سلام عليكم
اترك تعليق: